أحمد عبد الله أبو زيد العاملي

87

محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )

[ أطماع بريطانيا في المنطقة ] كانت بريطانيا تخطّط للسيطرة على العراق منذ القرن السابع عشر لما تزخر به أرضه من خيرات ، فضلًا عن أنّ الخليج العربي كان يمثّل مركزاً استراتيجيّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً عظيماً . وليس من الصدف أن أسّست شركة الهند الشرقيّة سنة 1643 م أوّل معمل لها في البصرةوأقامت فيها أحد فروعها . وفي سنة 1763 م أصبحت تلك المدينة سوقاً تجاريّة بريطانيّة نشيطة . وبعد مدّةخطت بريطانيا خطوة جديدة ضمن مخطّطها ، فعيّنت سنة 1798 م مندوباً دائماً لها في البصرة ، وهي السنة نفسها التي وجّهت فيها فرنسا حملة بقيادة نابليون بونابرت ضدّ مصر . وزاد اهتمامها بذلك القطر بعد تدشين قناة السويس سنة 1869 م ، وخاصّة بعد أن أصبحت سنة 1875 م أكبر مساهم في شركة القناة ، إذ بدأت تفكّر في إقامة خط حديدي يربط حيفا على البحر الأبيض المتوسّط بالبصرة على الخليج العربي لمنافسة ألمانيا التي حصلت على امتياز خط الحديد برلين - بغداد . وفي سنة 1911 م كانت وراء إنشاء شركة النفط التركيّة ( Turkish Petroleum Company ) فقامت بإرسال البعثات الظاهرة والخفيّة للقيام بالدراسات التفصيليّةورفع التقارير ، مثل تقارير ضابط الاستخبارات الإنجليزيّة الشهير لورانس‌الذي أرسل للعراق قبل 1911 م ، وتقارير غرترودبل التي لعبت دوراً هامّاً منذ بداية القرن العشرين إلى ما بعد تأسيس الحكومة العراقيّةفي تدعيم الاستعمار البريطاني . قبل تغلغل بريطانيا في كامل أنحاء العراق‌كانت قد بسطت هيمنتها على الخليج العربيبعد أن طردت الغزاة البرتغاليّين والهولنديّين والفرنسيّين ، ودافعها في ذلك حماية طرق المواصلات إلى مستعمراتها في الهندوالتطلّع إلى الوصول إلى العراق وسوريا وموانئ البحر الأبيض المتوسّط . وقد بدأت مرحلة التنفيذ الفعلي للسيطرة على العراق بعد إعلان الحرب العالميّة الأولى بأيّام قلائل ، إذ استولت على البصرة في 1914 م ، وبذلك قضت على مخطّط الألمان في إيصال خطّ الحديد برلين - بغداد إلى الخليج العربي . ومن البصرة أخذت القوات البريطانيّة تتّجه شمالًا وتحتلّ المدن العراقيّة الواحدة تلو الأخرى ، إلى أن احتلّت بغداد سنة 1917 م والموصل سنة 1918 م ، وبذلك أصبح العراق خاضعاً مباشرة للاستعمار البريطاني الذي اتّبع سياسة الترهيب والترغيب لإحكام قبضته على ذلك القطر العربي . إلّا أنّ الشعب العربي تصدّى لذلك الاحتلال بكلّ ما يملك من قوّةحين أيقن أنّ بريطانيا لم تُخلّ فقط بوعودها التي أعطتها للشريف حسين بمساعدته على إقامة الدولة العربيّة الكبرى ، بل ذهبت إلى حدّ احتلال وطنهم بالقوّةمستغلّة نقمتهم على الدولة العثمانيّة التي أرادت - خاصّة منذ وصول الاتّحاديين إلى الحكم - أن ( تُتَرِّك ) الأقطار العربيّة كافّة . وقد تظافرت عدّة عوامل على تأجيج نار النقمة على الاستعمار بشكل عام‌وعلى الإنجليز بشكل خاص . فبالإضافة إلى العامل السابق‌كان الوعي القومي العربي قد بدأ يأخذ طريقه إلى المثقّفين والضبّاط العرب العاملين في الجيش العثماني ، فتكوّنت الجمعيّات السريّة حتّى في الآستانة نفسها ، ومنها جمعيّة العهد قبل الحرب العالميّة التي لعبت دوراً فعّالًا في نشر ذلك الوعي والتصدّي لحركة ( التتريك ) . وجاء نشر اتّفاقية سايكس - بيكو من طرف حكومة الثورة السوفييتيّة من ناحيةوإعلان وعد بلفور من ناحية